كتب: بلال الذنيبات
أشارت جمعية معهد تضامن النساء الأردني، خلال النصف الأول من العام الفائت )٢٠٢٥(، إلى وقوع ١٢ جريمة قتل في إطار الأسرة، بين شهري كانون ثان وحزيران من ذالك العام، نجم عنها ١٥ ضحية، توزعت بين فئات الشباب والنساء والأطفال، بما يعادل ٢٠٪.
وتنوعت أدوات الجرائم، حيث حلت الأسلحة النارية في المقدمة، بواقع ٤ حالات، وتلاه ٣ حالات بواسطة الطعن بأدوات حادة، إلى جانب وسائل الخنق والحرق والإلقاء في مجاري المياه أو من الأماكن المرتفعة.
كما وأظهرت الأرقام الامتداد الجغرافي، ما يحد من الزعم بأنها كانت متفاوتة جغرافيا، ولكنها جميعها كانت مسبوقة بأجراس للإنذار كانت تدق، ممثلة بالخلافات الأسرية والنزاعات المالية والظروف الاجتماعية، التي تفاقمت نتيجة غياب البرامج الوقائية.
ولفت التقرير الصادر عن الجمعية، النظر إلى تنامي بشاعة أساليب الجرائم محل الدراسة، مع تسجيل ١٧ جريمة خلال العام، في أحدث تقرير عن الجمعية، يناير الماضي، مع تركز الجرائم في الزرقاء على وجه الخصوص، وشملت الجرائم بين الأشقاء والأزواج فيما بينهم، إلى جانب الأب ضد الأطفال.
ومن الملفت أنه وفي خضم تصاعد الأزمات ذات الجذر النفس اجتماعي اقتصادي، باتت "الجرائم في إطار الأسرة"، تقض مضجع المجتمع الأردني المُحافظ-كما يقال، ومع أن ربط تلك الجرائم مع الأوضاع المعاشية أمرٌ ساذج، حسبما نراه في واقع الحال، إلا أن دخول المجتمع في حال من فقدان المعايير هو المسئول المباشر من وجهة نظر "دوركايمية"، عن انتشار الجريمة.
في مجتمع ذات أغلبية "مسلمة"، فقد الناس معايير الحلال والحرام، إلى جانب قيم الفضيلة والحشمة، الصدق والعدالة، ولم تفلح القوانين-التي بدأت تاريخيا العام ١٩٢١م، تخيم على المنطقة، بعد الحكم العشائري الاقطاعي الذي ساد المنطقة إبان الحكم العثماني قبل ذالك التاريخي، في صناعة قيم أخلاقية متوازنة.
ومع التطور الذي صاحب التحول نحو العولمة، وإنهيار سعر الصرف للدينار الأردني-تسعينيات وثمانينات القرن المنقضي، وغياب الرؤية الواضحة في بناء الإنسان، مع عدم ثبات نُظم التعليم، والتي لا زالت تدور في فلك التغيرات والتبدلات غير المدروسة بعناية-قبل التطبيق الميداني، وتجريد المدرسة من أدوات الضبط التي عززت من تمرد الطلبة-سيما في مرحلة المراهقة والطفولة المتأخرة، الهجمة الشرسة التي يتعرض لها شبابنا من قبل وسائط الإعلام الرقمية، وذيوع مشاهد العنف والأفلام القائمة على الشهوات وارتكاب الجرائم، مع جذور قابلة للري في المجتمع، منها الميل نحو الوأد للبنات مجازيا وفكريا..ولاحقا فعليا تحت ذرائع الشرف، وحماية السمعة، أو تحت مقصلة الضغوط النفسية ذات الجذر الاقتصادي والاجتماعي الضاغط.
إلى جانب تفشي المخدرات، في بعض الأوساط الاجتماعية، مع نوع من الحماية من العقاب، ممثلا بثقافة "شربة القهوة"، والتي تعالج القضايا التي تراكم الأحقاد بين الناس، وربما تنهي الحقوق الشخصية في الإعتداءات البسيطة، والتي تترك آثارًا نفسية عميقة تقفُ وراء بعض الإدمان والجرائم، الناجمة عن الانفجارات الوميضية "ثورة الغضب".
وتشير معلومات "تضامن" إلى بشاعة الجرائم، ما يعني عمليا أنها ناجمة عن مخزون من الحقد والضغينة كمرض نفسي معقد، في مجتمع يخلو من المعايير، ويقوم على غياب آليات الضبط الأخلاقية، مع غياب المعايير والاحترام للإنسان، والتجرؤ على إهانة الآخرين، في وسط بيئة موبوءة بالنماذج المستوردة من الأفلام ووسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب النظر للعلاج النفسي من منظار العيب.
لم تكن الجرائم في المجتمع الأردني، في إطار الأسرة أمرًا مألوفًا، حتى وقت قريب، حيث بدأت بالتشكل كظاهرة، مع تعاظم التحولات الاقتصادية التي شهدتها المملكة، وذيوع التقليد للمعروض من الثقافات الوافدة عبر الأفلام والمسلسلات ذات الطابع العنيف، وتلك التي تروج مظاهر التفكك الأسري، وتغذي القابليات الشخصية للتمرد على الأسرة.
كانت الجرائم المرتبطة بالأسرة، قد شهدت قفزة مع تصاعد الهوة بين الجيل الحديث ونظيره القديم، والذي عزز من سوء الاختيار في اختيار شريك/ة الحياة، وجعل من العلاقات الأسرية أكثر توترًا مع أزواج لا يصلحون لبناء الأسر، ولا يتحملون المسؤولية.
وكانت تجربة دورات ما قبل الزواج، والتي تحولت إلى مجرد إجراء شكلي، بحاجة ﻹعادة إنعاش، وتصحيح للمسار، بما يخدم المصالح الفعلية للأسرة ويعظم من تأهيل المقبلين على الحياة الزواجية، كي يمسوا قادرين على تحمل مسؤوليات الزواج، بما يتضمنه من القدرة على الإدارة المنزلية والاقتصاد المنزلي، والتربية الحديثة، وتشكيل قدرات تعلم لمجاراة التحول الرقمي الذي يتعامل معه أبنائنا، ويتقنونه ويقوم في المساهمة فعليا بتربيتهم بشكل يفوق قدرات المؤسسات التنشيئية التي أصابها التكلس ببيروقراطياتها.
وقد لجأت وزارة التربية والتعليم، مشكورة على تضمين قضايا الأسرة ضمن مساقات أهمها علوم النفس والاجتماع، ما يتطلب من الباحثين دراسة الأثر بعد ٥ سنوات على الأقل من هذا التاريخ.
إن قرار الزواج يتطلب تفكيرًا عميقًا، التربية اليوم وفي ظل التحول القيمي المتسارع والمضطرد الذي نعيش، باتت معقدة وصعبه، وغير ممكنه بدون أن يُرهق الوالدين نفسيهما أكثر فأكثر وأن يكونا قادرين على إدارة الضغوط الأسرية ومعالجة الآثار الناجمة عن الهوة بين المتعارف عليه في التربية التقليدية، ومتطلبات التربية الحديثة سيما في ظل سيطرة "المُربي غير المُربى" على حياة الأبناء، والجيل الجديد من الآباء والآمهات.
إن السيطرة التي فرضها الهاتف النقال على الأسرة دفعت بخلق ظواهر مستحدثة، عززت من الجريمة في إطار الأسرة، ففي حين يترك الأبناء أمام مُربي غير مُربى، لساعات طويلة، يتعلم خلالها السلوك العنيف عبر مقاطع الفيديو القصير عبر يوتيوب وتيك توك-المحظور محليًا، مع مواقع الإلكترونية أخرى، مع شيوع ثقافة التعامل مع برامج فك الحظر، يخلق إدمان الأبوين على الهاتف، جوعًا عاطفيًا، ويُتمًا من نوع جديد، يعانيه أطفال اليوم، هو اليتم الالكتروني، والذي يعزز من مشاعر الإبن أنه غير ذات أولوية بالنسبة لوالديه أمام الانشغال الدائم بالهاتف من قبل الأخيرين.
ومع أن المخدرات أحد الأسباب، والتي تنامت خلال السنوات الأخيرة، مع محيط مُلتهب موبوء في تجارة هذا النوع من السموم، ولكن التفكك الأسري عززته في المقابل سيطرة الهاتف المحمول، وسوء استخدامه.
إن شيوع الجرائم في إطار الأسرة، وإن كانت للمخدرات علاقة به وببشاعته، ولكن الهاتف النقال ليس بريئًا، ولغياب المعايير الأخلاقية دورٌ كذالك في تعزيز الجرائم والسابق عليها التفكك الأسري.
ومن المهم توظيف الإعلام الرقمي في تعزيز "مخطط" لثقافة صناعة الأسرة والتربية الحصيفة، بعيدا عن ثقافة الفزعة السائدة والمضافات التي تُخدم على التسكين بدلا من العلاج، والتعامل مع القطعة بدلا من التعامل المنظم المخطط مع الظاهرة.
كما ومن الضروري خلق ما يعزز توجه الناس لطلب الرعاية الصحية، من مختصي الصحة النفسية، وهي مسؤولية معلمي مساق علوم النفس والاجتماع، إلى جانب الإعلام ومن يتصدر المشهد الإعلامي من أكاديميين وأهل علم ودراية في مجالات النفس والاجتماع والتربية.
(الذنيبات نيوز)
